نقوم في كل
يوم بالعديد من الأفعال والنقاشات وإبداء الآراء والمواقف بشكل تلقائي، أو
مع بعض التفكير، أو مع الكثير من التفكير. ومعظم الأحيان نكون على قناعة
تامة أننا على حق، وأننا ندرك تماما الأسباب التي تدفعنا إلى هذا الفعل
وذاك الرأي، وعلى دراية كاملة بكل ما يعتمل في داخلنا من مشاعر وأفكار.
ولكن هل توقفنا حقا لندرك حقيقة الأمور، ولندرك الدافع الحقيقي وراء ما
نقوم به؟
هل أنت، مثلا، على معرفة بأسباب انفجارك اليوم غاضبا من زميلك في العمل؟!
هل لأنه فعلا قام بفعل أغضبك إلى هذه الدرجة؟! أم أنك كنت غاضبا مسبقا
وفرغت غضبك في أول فرصة مناسبة؟
هل تدركين، مثلا، سبب اعتراضك الدائم على نمط حياة ابنتك؟ ألأنك تخافين
عليها فعلا؟! أم لأنك تجدين نفسك غير قادرة على الموافقة على مفاهيم وأفعال
كانت في ما مضى من المحرمات بالنسبة لك، وكنت تتمنين القيام بها كما تفعل
ابنتك الآن؟
هل أنت فعلا من مؤيدي التقاليد البالية، الداعين إلى الحفاظ عليها؟ أم أنك
تخاف التغيير الذي قد يهز ثوابتك ويظهر لك كم كنت متخلفا ومدعيا يطالب
بحرية وتغيير أنت غير قادر على تطبيق شيئا منها لضعف وخوف يعششان في داخلك؟
هل تساءلت لماذا فرحت لإخفاق صديقك بامتحانه النهائي؟ بل هل تدرك فعلا أنك
فرح لذلك؟! أم أقنعتك عبارات المواساة التي أغرقته بها؟
قبل أن نفكر بالدافع الحقيقي وراء أفعالنا وأحاسيسنا، هناك سؤال أكثر
أهمية، والإجابة عليه تحدد مدى صدقنا مع ذاتنا ومع من يعيشون أو يتواجدون
بصورة أو بأخرى حولنا: إنه الحوار مع أنفسنا. التساؤل عن مدى صدق قناعاتنا
وما نقوم به، عن انسجام ما ندعيه مع ما نحن عليه، التوافق بين صورتنا
الخارجية وصورتنا الداخلية.
أسئلة قد يكون من الصعب الإجابة عليها عند البعض. فقد تشكل هزيمة لما ندعيه
جاءت في وقت قد يكون مبكرا حين مازال بالإمكان فرد الأوراق ببطء لاكتشاف
الحقيقة، أو متأخرا بحيث أنه يصيب بصدمة وفزع من الحقائق التي سوف نكتشفها
لنرى أننا وقفنا في فراغ بسبب انهيار الأشكال التي بنيناها وصورناها على
أنها انتصارات بينما هي مزيفة وغير حقيقية..
بعضنا يملك هذا الحوار، ربما بشكل متقطع وغير صريح. فهو حوار صعب ومقلق..
لكنه حوار لا بد منه لنصل إلى إجابات نلمس أنها حقيقية في أعماقنا.
بعضنا الآخر يملك هذا الحوار بشكل مستمر لا يتوقف قبل أن يعرف السبب
الحقيقي وراء ما يقوم به، ولا يرتاح إلا إذا رأى نفسه مجردة وعارية من أي
زيف أو غطاء. فعل صعب ويحتاج إلى تفكير عميق وحيادية تجاه الذات، التخلي عن
أي نوع من المبررات، التعري أمام المرآة بشكل محرج جدا في كثير من المرات،
ومفرح جدا في بعض المرات..
لماذا؟
لأنها النتيجة المباشرة لطبيعة البشر المعقدة جدا. وهذا الفعل، "تجريد
الذات"، أكثر تعقيدا. فأنت ستكون المحلل النفسي لذاتك!
و لكن، أليست متعة للبعض أن يرى الحقيقة دائما مهما كان شكلها؟ أليس ممتعا
أن أجر ما يقوم به سيكون عظيم ومريح جدا: لن يصدم يوما ما بحقيقة ذاته..
سترسم مواقفه وأفعاله أثرا دائما غير قابل للمحو أو التفريغ.
ربما علينا الاعتراف أن من لديه القدرة الدائمة على القيام بهذه المصارحة
هو شخص قوي مميز تصدر عنه أفعال غير عادية بالمعنى الايجابي.
ومن لا يمتلك هذه القدرة.. أو لا يريد أن يمتلكها، سيحيا ويموت في الصورة
نفسها التي كونها لنفسه.. والقناعات نفسها! ولن يعترف أنه على غير ما
يدعيه! فما معنى أن يحدث الإنسان ذاته بالنسبة لهؤلاء؟! انه جنون أو فلسفة
أو ترهات


فهل.. واجهت نفسك ذات يوم؟ هل أنت قادر
على خوض المواجهة؟!

إذا لم تكن قد فعلت، فإلى متى ستنتظر؟